السيد عبد الأعلى السبزواري
56
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
وإنّما يكون كذلك إذا كان مستسلما للّه تعالى عاملا بشريعته ، فإنّ للعمل والطاعة الأثر الكبير في استقرار الإيمان في القلب والثبات عليه ؛ ولذا كانت الأحكام الإلهيّة اختبارات واقعيّة لبيان درجات الإيمان عند المؤمنين ، تبعا لشدّة إخلاصهم وضعفه . وهذا لا يختصّ بالإسلام ، بل هو أمر طبيعي في كلّ دين وملّة ، خالقيّة كانت أم خلقيّة ، فإنّه لا بدّ من الاختبار ليعرف مدى استقامة الشخص وثباته عليه . وتعدّ هذه الآية الشريفة من الآيات المعدودة الّتي تشرح تلك النفوس الضعيفة الّتي آمنت بالإسلام ولم يكن بعد قد استقرّ في القلوب ؛ ولذا كانت على خوف من اللّه تعالى لعلمهم بأنّه سيؤاخذهم على كلّ صغيرة وكبيرة . وعلى خوف من الناس ؛ لأنّ الجبن قد تمكّن في نفوسهم ، فهي لا تقدر أن تقابلهم في ميدان القتال ، وهم على خوف من القتل ، فكانوا يطلبون التأخير ليضمنوا لأنفسهم الأمرين ، أي عدم وقوعهم في مخالفة اللّه تعالى ، والنجاة من القتل . والآية المباركة تبيّن أنّ المطلوب منهم غير ذلك ، وهو الثبات والاستقامة لا الترويغ والمناورة ، فالدين ليس اندفاعا شخصيّا أو جماعيّا لأجل أمر قد يتوهّم أنّه الصالح لهم ، وليس هو من مقاييس البشر النفعيّة ، بل الدين تابع لمقاييس ربّانيّة حكيمة موضوعة لصالح الناس ، ولا بد أن يكون الدين مأخوذا من صاحب الشرع ؛ لأنّه أعلم بمصالحهم ، وقد نبّه عزّ وجلّ في هذه الآية الشريفة أنّ الأصلح لهم في ابتداء الأمر بترويض نفوسهم بالطاعة والعمل بالصلاة وأداء الزكاة ، فإنّ لهما الأثر الكبير في ذلك ، ثمّ انتظار ما يقضي به اللّه تعالى من الأحكام ، فإنّ الدين هو الطاعة للّه ولرسوله . الثاني : يستفاد من قوله تعالى : قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى إنّ العلّة في الإعراض عن الطاعة هي التوجّه إلى الدنيا والتطلّع على متاعها وحبّها ، فإنّ ذلك هي العلّة التامّة للوقوع في المخالفة .